بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
الحرمان نوعان :
1- حرمان مادي محسوس
وهو الحرمان من الطيبات من الأكل والشرب ومن الملبس والمال والعيش في فقر سنوات طويلة وبالتالي الحرمان من التعليم الجيد وهكذا .
2- حرمان معنوي غير محسوس
وهو الحرمان الأصعب الذي لا يشعر به أحد عندما تفقده لأنه غير محسوس وهو الحرمان من الحب والحنان والشعور بتقدير الذات ’ وهو حرمان أسأل الله عز وجل الرحيم الرحمن ألا يكتبه عليك وإن كنت قد شعرت به فالله معك وحاول معى التعرف على كيفية تعويضه قدر المستطاع .
كلامي هنا عن النوع الثاني من الحرمان الغير المحسوس ’ والذي عندما تعانيه فلا تقل لي عن روتين الحياة اليومي الممل ’ والعصبية لأتفه الأسباب والشعور بالوحدة مهما كان عدد الناس من حولك ’ ومهما كان عدد أصحابك وأحبابك ’ ومهما كانت معك الأجهزة الحديثة المسلية .
الحب والحنان
تأخذ الحب وأنت صغير عن طريق كلمات الحب والتقدير والتشجيع وأما الحنان فيكون عن طريق اللمس واحتضان أمك أو والدك لك ’ الشاهد أن الحب يكون بالكلام والحنان يكون باللمس لأننا سنحتاج هذه المعلومة .
وعندما لا تحصل على الحب والحنان من والديك وممن حولك تجد عندك صعوبة في الكلام ومواجهة الناس وغيرها من المواقف التي تحتاج مواجهة ’ وتجد صعوبة أيضا في التعبير عن مشاعرك مما يسبب صعوبة تكوين علاقات حميمة وكبت وحالات حزن لا تعرف سببها مما يجعلك في حيرة شديدة من إحساس بالحزن والممل ولا تعرف السبب .
من أسباب الحرمان
1- العطاء المؤقت
مشكلة واضحة تتكرر وهى حصول الابن على قدر عالي من الحب والحنان وهو صغير ثم يبدأ الحرمان عندما يكبر بحجة أنه قد كبر فى السن ولم يعد يحتاج لما سبق ’ وكذلك الزوجين بعد فترة من زواجهما تجد جفافا في المشاعر بحجج غير مقبولة أو أفكار قديمة ثابتة في عقولهما .
وإذا كنت تعانى من قلة حصولك على كلمات الحب ولمسات الحنان وأنت كبير وحصلت عليها وأنت صغير فتجد سهولة ومتعة عندما تمدح أو تحتضن طفل صغير وتجد صعوبة في تقديم هذا للكبير ’ والسبب أنك حصلت على الحب وأنت صغير فأعطيته للصغير ولم تحصل عليه وأنت كبير فتجد صعوبة في إعطائه للكبير !
وهنا نقول لكل والد ووالدة وزوج وزوجة : حاجة القلب لسماع كلمات الحب ولمسات الحنان مثل حاجة النبات للماء ’ يحتاج دائما وإلا سيموت ’ نعم هناك قلوب ماتت من شدة الحرمان ’ بل كثير من حالات العصبية والقلق والاكتئاب التي تراها أمامك ما هي إلا نتيجة الحرمان من الحب والحنان .
2- الفهم الخطأ
يظن بعض الآباء عندما تكلمه عن ضرورة إظهار حبه لابنه فيقول لك : أنا بحبه جداً وهو فيه أب مش بيحب ابنه ؟
نحن نعرف أنك تحب ابنك ولكن نحن نتكلم عن إظهار هذا الحب في صورة كلام أو لمسة حنان وبدون إظهار ذلك قد يظن ابنك أنك لا تحبه كما كنت تحبه من قبل ولا تفعل كما يفعل كثير من الآباء ممن حُرموا من الحب والحنان عندما يُسرفون في العطاء المادي وأولادهم في حاجة للعطاء المعنوي وهو الحب لأن كثير من الآباء يفعل ذلك .
مثال :
لو معك مال كثير وهذا المال فى خزينتك وابنك لا يراه , فعندما تقول لابنك أنك تمتلك مال فلن يُصدقك لأنه لم يره ’ فكذلك فى قلبك حب كثير لابنك ولكن ابنك لم يره من خلال كلمة حب وتقدير وتشجيع أو لمسة حنان .
وهذا ما نسميه ( حب من وراء الجدران ) أو الحب المسجون الذي سجنه صاحبه في قلبه ’ وكم من زوجة تعانى من زوجها لأنها لا تسمع منه كلمات الحب التي تتمنى سماعها لتشعر بقيمتها وقدرها عند زوجها .
وكذلك كم من زوج محروم من سماع تلك الكلمات من زوجته ليشعر برجولته ومكانته في قلبها ’ متى تستمتع بالتعبير عن مشاعرك وتجعل كل من يحبك يستمتع بسماع هذه الكلمات منك ومن لسانك العذب ؟
استفسار : هذا الحب المسجون في قلبك متى يأخذ منك حكماً بالإفراج ؟!
3- حرمان الوالدين
من الممكن أيضاً أن يكون من أسباب حرمانك من الحب والحنان هو أن والديك أصلا لم يحصلا على حب وحنان في حياتهما في الصغر .
العلاج
1- معاناة بمعاناة
لابد أن تحاول التعبير عن مشاعرك بالكلام مع زوجتك أو أصحابك أو أولادك ولكن فى البداية لن تشعر بالمتعة المطلوبة لأنك لم تتعود بل ستشعر فى البداية بالخجل من كلمات الحب التى تنطقها ’ ولكن أنت بدون هذه الكلمات تعانى وعندما تنطقها تعانى ’ ولكن المعاناة الأولى معاناة مستمرة فى حرمان والثانية معاناة مؤقتة ثم متعة عالية .
تقديم الحب بدلا من انتظار الحب
عزيزي الزوج : عندما تدمن زوجتك سماع كلمات الحب والتقدير منك فقد وقعت أسيرة لا تقدر أبداً أن ترفض لك أي طلب لأنها لا تحب أن تحرمها من سماع تلك الكلمات .
وأنتي أيتها الزوجة الفاضلة : عندما ترددين كلمات الحب والتقدير والتشجيع على مسامع زوجك فإنه يقع أسير تلك الكلمات التي تجعله يشعر بسماعها أنه رجلا يستحق أن يُحب وهذا إحساس محروم منه كثير من الأزواج في ظل هذا الزمان الذي نعانى فيه من ألسنة عاجزة عن التعبير عما تحويه القلوب من مشاعر ’ وحكمت على هذه المشاعر بالسجن مدى الحياة لتحرم نفسها من نعيم الحرية ’ أسف من نعيم الحب .
لا تجلس تتألم وتبكى داخلك على الحرمان من الحب والحنان ’ ولكن عليك بالعطاء ستأخذ الحب من كثير من أحبابك وأصدقائك ’ لا تجلس مثل الطفل الصغير الذي تعود على الأخذ فقط ’ ولا يعطى إلا قليلا ’ لأن أغلب من يعانى هذا الحرمان يلوم كل من حوله على عدم شعورهم به ولمعاناته ’ ولا يدرك أن الناس أيضا كل واحد منهم ينتظر من يشعر به !
قانون الحياة يقول أن الحياة أخذ وعطاء ’ لكن الطفل أدمن الأخذ فقط ’ ولم ينتقل لمرحلة العطاء ’ حزين أن فلانا لا يسأل عليه فلماذا لا يسأل عليه هو ؟!
معلوم عند علماء التربية أن الطفل فى طفولته يأخذ فقط وقليل أن يعطى ’ فإذا كان هذا الطفل تربيته مرفهة ومنذ الصغر والداه يعملان له أكثر ما يحتاج ’ فسيعتمد عليهما الطفل اعتمادا كبيرا في أغلب احتياجاته ’ ولما يكبر يبدأ الاعتماد على غيره في أمور كثيرة .
وهذا الأمر يغذى عنده الأنانية بصورة كبيرة ’ لأنه دائما يفكر فيما يحتاج وليس فيما يعطى للآخرين ’ نعم قد يفكر أن يعطى للآخرين لكن عطاء قليل جدا بالنسبة لتفكيره فى نفسه وتلبية رغباتها ’ والحياة مع مثل هذا الإنسان صعبة جدا بسبب كثرة طلباته منك لاعتماده عليك .
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
بقلم / هانى عرفة